محمد بيومي مهران
232
دراسات تاريخية من القرآن الكريم
بالمعارضين « 1 » ، وثانيهما : أن المصادر المصرية القديمة ، والتي تمتاز عن غيرها من مصادر الشرق الأدنى القديم بوضوحها وكثرة آثارها ونصوصها ، كان من المنتظر أن تمدنا هذه المصادر المصرية بمعلومات كافية عن موسى عليه السلام ، غير أن هذه المصادر ، في غالبيتها ، إنما كتبت بأمر من الملوك ، أو بوحي منهم ، أو على الأقل برضى منهم ، فإذا تذكرنا أن الملك كان في العقيدة المصرية القديمة مؤلها ، كان من الطبيعي ألا يستسيغ الفكر المصري أن يهزم الملك المؤله أو الإله في حرب خاض غمارها ، ولهذا فالنصر كاد أن يكون حليفه فيها ، وقد تكون الحقيقة غير ذلك « 2 » ، ومن المعروف أن قصة موسى ، كما جاءت في التوراة والقرآن العظيم ، إنما انتهت بغرق الفرعون وجنوده في البحر ، ونجاة موسى ومن آمن معه بالواحد الأحد ، وليس من المقبول ، طبقا للعقيدة الملكية الإلهية في مصر القديمة ، أن تسجل النصوص غرق الفرعون الإله ، ونجاة عبيده العبرانيين ، ومن هنا كان من الصعب العثور على اسم موسى وقصة خروجه ببني إسرائيل من مصر ، حتى الآن على الأقل ، رغم ضخامة التركة الأثرية التي خلفتها لنا مصر في العصور الفرعونية « 3 » . وأما ثاني الأسباب فإنما يرجع إلى الاضطراب الواضح بين نصوص التوراة ، حتى استطاع العلماء أن يستخرجوا منها تاريخين مختلفين للخروج في وقتين مختلفين ، يكاد الواحد منهما يبعد عن الآخر بأكثر من قرنين من الزمان ، حيث اعتمد البعض على نص في سفر الملوك ، توصلوا إلى أن الخروج إنما كان على أيام تحوتمس الثالث ( 1490 - 1436 ق . م ) « 4 » بينما
--> ( 1 ) رشيد الناضوري : الفكر الديني - بيروت 1969 ص 174 . ( 2 ) محمد بيومي مهران : الثورة الاجتماعية الأولى في مصر الفراعنة ص 3 . ( 3 ) محمد بيومي مهران : إسرائيل 1 / 314 - 315 . ( 4 ) ملول أول 6 / 1 .